الشيخ محمد رشيد رضا

359

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفي الآية من قواعد العقائد الدينية وأصول التشريع والعلم ان الحق والباطل فيهما ضدان لا يجتمعان ، وان الهدى والضلال ضدان لا يجتمعان ، ولهذا الأصل فروع كثيرة في الدين والعلم العقلي . وفيها من حسنات الايجاز في التعبير ما يسميه علماء البديع بالاحتباك ، وهو ان يحذف من كل من المتقابلين ما يدل عليه مقابله في الآخر ، وهو ظاهر في الآية أتم الظهور ، وان غفل عنه الجمهور * * * كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أي مثل ذلك الذي حقت به كلمة ربك أيها الرسول في وحدة الربوبية والألوهية ، وكون الحق ليس بعده لتأركه إلا الباطل ، والهدى ليس وراءه للناكب عنه إلا الضلال ، حقت كلمة ربك أي سنته أو وعيده على الذين فسقوا أي خرجوا من حظيرة الحق وهو توحيد الألوهية والربوبية وهداية الدين الحق . ففي كلمة الرب وجهان ، لكل منهما أصل في القرآن ، أحدهما أنها كلمة التكوين وهي سنته في الفاسقين الخارجين من نور الفطرة واستقلال العقل الذين لا يتوجهون إلى التمييز بين الحق والباطل والتفرقة بين الهدى والضلال لرسوخهم في الكفر واطمئنانهم به بالتقليد والعمل فقوله أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ على هذا بيان للكلمة أو بدل منها ، أي اقتضت سنته في غرائز البشر وأخلاقهم أنهم لا يؤمنون بما يدعوهم اليه رسلنا من التوحيد والهدى مهما تكن آياتهم بينة ، وحججهم قوية ظاهرة ، وليس معناه انه تعالى يمنعهم من الايمان منعا قهريا مستأنفا بمحض قدرته ، بل معناه انهم يمتنعون منه باختيارهم ترجيحا للكفر عليه . ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى في هذه السورة ( 96 إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ 97 وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) والوجه الثاني انها كلمة خطاب التكليف بوعيد الفاسقين الكافرين بعذاب الآخرة كقوله في سورة ألم السجدة ( 32 : 20 وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ ) وقوله في سورة غافر ( 40 : 6 وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ) ويكون قوله ( أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) على هذا تعليلا لما قبله بحذف حرف الجر أي لأنهم أو بأنهم لا يؤمنون . وكل من الوجهين حق ظاهر والأول أظهر هنا